ابن الأثير
33
الكامل في التاريخ
المنصور قد مات . وأقبل الحسن بن زيد العلويّ ، وجاء النّاس حتى ملئوا السّرادق ، وسمعنا همسا من بكاء ، وخرج أبو العنبر ، خادم المنصور ، مشقّق الأقبية ، وعلى رأسه التراب ، وصاح : وا أمير المؤمنيناه ! فما بقي أحد إلّا قام ، ثمّ تقدّموا ليدخلوا عليه ، فمنعهم الخدم ، وقال ابن عيّاش المنتوف : سبحان اللَّه ! أما شهدتم موت خليفة قطّ ؟ اجلسوا ، فجلسوا ، وقام القاسم فشقّ ثيابه ، ووضع التراب على رأسه ، وموسى على حاله . ثمّ خرج الربيع وفي يده قرطاس ، ففتحه ، فقرأه ، فإذا فيه : بسم اللَّه الرحمن الرّحيم ، من عبد اللَّه المنصور ، أمير المؤمنين ، إلى من خلف من بني هاشم ، وشيعته من أهل خراسان ، وعامّة المسلمين ، ثمّ بكى ، وبكى النّاس ، ثمّ قال : قد أمكنكم « 1 » البكاء ، فأنصتوا ، رحمكم اللَّه ، ثمّ قرأ : أمّا بعد ، فإنّي كتبت كتابي هذا ، وأنا حيّ في آخر يوم من أيّام الدنيا ، وأوّل يوم من أيّام الآخرة ، أقرأ عليكم السلام وأسأل اللَّه أن لا يفتنكم بعدي ولا يلبسكم شيعا ، ولا يذيق بعضكم بأس بعض . ثمّ أخذ في وصيّتهم بالمهديّ « 2 » ، وإذكارهم البيعة له ، وحثّهم على الوفاء بعهده ، ثمّ تناول يد الحسن بن زيد وقال : قم فبايع ! فقام إلى موسى فبايعه ، ثمّ بايعه النّاس الأوّل فالأوّل ، ثمّ أدخل بنو هاشم على المنصور وهو في أكفانه ، مكشوف الرأس ، فحملناه ، حتى أتينا به مكّة ثلاثة أميال ، فكأنّي انظر إليه والريح تحرّك شعر صدغيه ، وذلك أنّه كان وفرّ شعره للحلق ، وقد نصل [ 1 ] خضابه ، حتى أتينا به حفرته .
--> [ 1 ] فصل . ( 1 ) . قدامكم . A ( 2 ) . المهدي . A